ذهبت أتبرع بكليتي لزوجي… وفي اليوم الذي لبسوني فيه روب المستشفى الأزرق، اقتربت مني الممرضة وهمست بصوت مرتبك: "مدام… تأكدي كويس لمين راح تروح الكلية"
ابتسمت بثقة وقلت: — لزوجي طبعًا… لمين يعني؟
للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
جندي أمريكي يخاطر بنشر الفيديو الكامل لإعـ،،ـدام صـ،،ـدام حسين والمشهد يصدم الملايين
تجمدت بمكانها للحظات، وبعدها نزلت عيونها للأرض وقالت: — الاسم المكتوب في الملف… مو اسم زوجك.
اسمي مريم، عمري 43 سنة، ساكنة في الأعظمية ببيت شعبي صغير ورثته عن أبوي الله يرحمه.
سنين طويلة قضيتها أبيع فلافل وسندويشات قدام مدرسة ابتدائية، بالصيف اللي يخنق، وبالشتا اللي يوجع العظم، لأني تعلمت من الدنيا إن جوع الأطفال ما ينتظر أحد.
زوجي سيد كان يشتغل سائق توصيل.
طول عمره رجل قاسي وقليل الكلام، لكن كل مرة كنت أقول في نفسي يمكن الأيام تغيّره ويمكن قلبه يلين.
عندنا بنت اسمها شهد، عمرها الآن 16 سنة، وهي الشيء الوحيد الجميل اللي طلع من هذا الزواج.
كل شيء بدأ ينهار يوم مرض سيد وصار عنده فشل كلوي.
في البداية رجليه صاروا ينتفخون.
بعدها التعب اللي ما يفارقه.
وبعدين المستشفيات الحكومية، والتحاليل، وجلسات الغسيل، والممرات المزدحمة، وريحة المعقم والقهوة المغلية من مكائن الانتظار.
الدكتور قال: — ماكو حل غير زراعة كلية.
ما ترددت أبدًا.
قلت إذا فصيلتي تناسبه، أتبرع له فورًا.
سيد حتى ما فكر يضمني أو يشكرني.
بس نظر لأمه، الحاجة زكية.
الحاجة زكية شبكت إيديها وتنهدت وكأني أخيرًا سويت شيء عدل بحياتي، وقالت: — إي هكذا زين… هذا أقل شيء تسويه بعد سنين الخير اللي شفتيه من ابني.
الكلمة نزلت بصدري مثل السكين.
لكن سكت.
لأني طول عمري ساكتة.
لما شهد كانت صغيرة وأرجع من الشغل وريحت إيدي زيت وخضرة، كانت حماتي تقول: — يا عيني على ابني… تزوج بياعة فلافل.
ولما الفلوس تضيق: — مريم ما تعرف تدبر البيت.
ولما سيد يرجع وقميصه فيه ريحة عطر نسائي مو عطري، تقول: — الرجل يمل من نفس الوجه كل يوم.
وكنت أسكت…
لكن أخزن كل شيء بداخلي.
سجلت مكالمات.
صورت رسائل.
احتفظت بفواتير.
تعلمت أحمي نفسي يوم اكتشفت إن ماكو أحد راح يحميني.
رحلة التبرع كانت تتعب الجسم.
سحبوا مني دم لحد ما إيدي ازرقت.
تحاليل، إشاعات، مقابلات، توافق أنسجة…
وكل يوم أطلع من المستشفى وأوقف بعربتي أبيع فلافل لأن المصاريف ما ترحم.
الغريب إن سيد بهالفترة صار حنون زيادة عن اللزوم.
زيادة واضحة.
يجيب لي شاي، يمسك إيدي قدام الدكاترة، ويناديني: — بطلة.
لكن بالبيت يرجع نفس الإنسان البارد.
مرة قال وهو يشوفني أطوي الملابس: — لا تفكرين تتراجعين يا مريم… إنتِ دخلتي بالموضوع خلاص.
قلت له: — ما راح أتراجع… لكن خايفة.
رد بعصبية: — أنا اللي خايف، أنا اللي أموت!
وجعتني الكلمة.
قلت: — وأنا أيضًا داخلة عملية يا سيد.
رمى قميصه على السرير ببرود وقال: — لا تكبرين الموضوع… هي كلية مو قلبك.
ومن يومها الجملة ظلت مغروزة بداخلي.
لأنه كان يشوف جسمي مجرد قطعة تبديل.
أول شيء غريب صار يوم الخميس.
الحاجة زكية جاءت ومعها ملف أصفر وأعطته لسيد بالمطبخ.
وأنا أغسل الصحون، لمحت ورقة فيها اسمي… وتحت اسمي مكتوب اسم: ياسين.
سألتهم: — منو ياسين؟
حماتي سكرت الملف بسرعة وقالت: — ولد بالمستشفى… شنو دخلك إنتِ؟
قلت: — شفت اسمي مكتوب.
وقف سيد بسرعة: — هاي إجراءات طبية يا مريم، لا تدخلين نفسك بأمور ما تفهمينها.
تماسكت وسكت.
بالليل، وهو بالحمام، فتشت جيب بنطلونه.
لقيت ورقة مطوية فيها عنوان بالمنصور، ومكتوب بخط إيده: الجمعة الساعة 6… لا تنسى شهادة ميلاد ياسين.
صورت الورقة بالموبايل.
وما نطقت بحرف.
يوم الجمعة… مشيت وراه.
إي نعم، مشيت وراه مثل النساء اللي كان يضحك عليهم دائمًا.
ركبت سيارة نقل صغيرة، ولبست كاب شهد ونظارة شمس رخيصة.
نزل سيد بشارع هادئ بالمنصور.
عمارات قديمة وشجر عالي.
وقف قدام بناية وضغط الجرس.
فتحت له امرأة صغيرة بالعمر.
مو دكتورة.
ومو ممرضة.
كانت جميلة بشكل يوجع.
شعرها طويل، وأظافرها حمراء، ولابسة روب وردي خفيف.
ومن وراها طلع ولد نحيف…
أول ما شاف سيد ركض عليه وهو يصرخ بفرح: — بابا!
تجمد الدم بعروقي.
بابا؟
سيد… زوجي؟
وقفت بطرف الشارع ورجلي ترتجف.
قلبي كان يدق بقوة كأنه يريد يطلع من صدري.
شاله بين إيديه.
والمرأة حطت إيدها على كتفه، ودخلوا وسكروا الباب.
بهذه اللحظة…
كل شيء بدأ يوضح براسي.
الجزء الثاني… سيكشف لماذا كان اسم “ياسين” موجودًا داخل ملف العملية بدل اسم سيد.
في تلك الليلة، لم يكن اسم ياسين مجرد اسم مكتوب في ملف العملية كان بابًا انفتح على حياة كاملة كان سيد يخفيها عني. ما نمت تلك الليلة. كلما أغمضت عيني، أشوف وجه ياسين. وكلما فتحتها، أشوف وجه شهد. ولد مريض ما سوى شيء. وبنتي اللي انكسرت قدامي بلحظة. أما سيد فكان أول مرة بحياتي أشوفه صغير. مو مريض. مو تعبان. صغير. رجل عاش سنوات يكذب، ولما انكشفت الحقيقة، ما عرف حتى يدافع عن نفسه. بعد ما دخلت شهد غرفتها، جلس سيد بالصالة ساكت. الحاجة زكية كانت تتمشى بعصبية وهي تردد كله بسبب هالفضايح الله لا يوفق الشيطان. ضحكت بمرارة. حتى الآن تعتبر المشكلة فضيحة مو خيانة. وقفت بهدوء، ودخلت غرفتي. أغلقت الباب. وجلست على الأرض. ما بكيت. الغريب إني كنت أهدأ من الطبيعي. كأن التعب وصل مرحلة أعلى من الدموع. بعد دقائق سمعت طرق خفيف على الباب. شهد. فتحت لها. دخلت وجلست جنبي بدون كلام. كانت عيونها حمراء ومتورمة. قالت بصوت مكسور يمّه من متى؟ قلت الليلة عرفت كل شيء. هزت رأسها ببطء. ثم همست كنت أحس أحيانًا إن بابا يخفي شيء بس مو هيچ. سكتنا. وبعدها فجأة حضنتني. حضنتني بقوة لدرجة حسيت إنها خايفة أختفي. وقالت وهي تبكي لا تسوين العملية يمّه أرجوچ. أغمضت عيني. هاي أول مرة أحد يطلب مني أفكر بنفسي. طول عمري كنت أفكر بالجميع إلا أنا. قلت بصوت متعب ما أعرف يا بنتي. رفعت رأسها بسرعة شلون ما تعرفين؟! بعد اللي سواه؟ نظرت للأرض. لأن الطفل ماله ذنب. صرخت بحزن وإنتِ شذنبچ؟! ما جاوبتها. لأنّي فعلًا ما كنت أعرف. قبل الفجر بقليل، سمعت باب البيت ينفتح. سيد خرج. بدون كلام. ولا حتى حاول يعتذر. كأنه هرب من المواجهة. أما أنا فظللت جالسة حتى أذن الفجر. الصبح، لبست عباءتي وطلعت وحدي. ما قلت لأحد وين رايحة. ركبت حافلة للمنصور. ونزلت عند نفس البناية. يدي كانت ترتجف وأنا أضغط الجرس. فتحت نور الباب. أول ما
شافتني، تغير لون وجهها. واضح إنها عرفتني فورًا. بقيت ثواني تنظر إليّ بخوف. ثم قالت بهدوء تفضلي. دخلت. الشقة كانت صغيرة ومرتبة. ريحة أدوية. وصوت جهاز صغير يشتغل بالصالة. ياسين كان نايم على الكنبة. وجهه أصفر بشكل يخوف. أنحف من أمس. لأول مرة أشوفه عن قرب. طفل. مجرد طفل. مو عدو. مو سبب خراب حياتي. بس طفل مريض. وقفت أتأمله بصمت. نور قربت وقالت تعب البارحة بعد الغسيل. ظللت ساكتة. ثم سألت من متى وإنتِ تعرفين إنه متزوج؟ خفضت عيونها. من أربع سنين تقريبًا. ضحكت بصدمة وبقيتِ وياه؟ بدأت تبكي. حاولت أتركه بس ياسين متعلق بيه بشكل كبير وسيد كان يقنعني كل مرة إنه راح يحل الموضوع. كلمة يحل الموضوع وجعتني. يعني أنا كنت مشكلة لازم تنحل. جلست على الكرسي المقابل إلها. قلت ليش ملف العملية باسمه؟ مسحت دموعها بسرعة وقالت لأن التحاليل طلعت إن كلية سيد ما تنفع لابنه والدكاترة قالوا لازم متبرع قريب بالعائلة. سكتت. ثم كملت بخجل سيد قال إن عنده زوجة ممكن توافق إذا عرفنا نقنعها. أغمضت عيني ببطء. نقنعها. مو نصارحها. ولا نحترم قرارها. مجرد نقنعها. نور قربت مني وقالت بسرعة والله ما كنت أعرف إنهم مخبين عنچ الحقيقة. نظرت إلها طويلًا. كانت خائفة فعلًا. ومتعبة فعلًا. ويمكن حتى هي ضحية بطريقة ما. لكن هذا ما كان يخفف ألمي. فجأة خرج صوت ضعيف من خلفنا بابا؟ التفتنا. ياسين صحى. أول ما شافني استغرب. ثم سأل نور هاي منو؟ نور ارتبكت. أما أنا فما عرفت شگول. لكن الطفل ابتسم فجأة وقال أكيد هاي خالتي؟ خالتي. الكلمة ضربتني بقوة غريبة. ابتسمت غصبًا عني. قلت إي حبيبي. جلس بصعوبة. واضح التعب عليه. ثم قال بحماس طفولي بابا گال راح أطيب قريب. هنا انكسرت داخلي حاجة بصمت. لأن الطفل كان يحلم فقط يعيش. لا يعرف شيء عن الكذب والخيانة والزواج السري. ولا يعرف إن حياته كلها واقفة على قرار امرأة دمر أبوها قلبها
رجعت للبيت قبل الظهر. لقيت سيد ينتظرني بالصالة. أول ما شافني وقف. وين كنتِ؟ قلت ببرود عند ابنك. انخفض رأسه فورًا. جلسنا بصمت طويل. ثم قال أخيرًا أدري إني ظلمتچ. ضحكت. هسه عرفت؟ كنت خايف. من شنو؟ رفع عينه إليّ. ولأول مرة شفت الدموع بعينه. خايف أخسر ابني. قلت بهدوء قاتل وخسارتي أنا ما كانت مهمة؟ ما جاوب. لأن ما عنده جواب. دخلت الحاجة زكية فجأة وقالت بعصبية العملية بعد يومين، والدكتور اتصل أكثر من مرة لا تدخلونا بمشاكل الآن. التفت عليها ببطء. قلت تعرفين شنو أكثر شي يوجع؟ سكتت. مو الخيانة ولا الكذب أكثر شي يوجع إنكم كنتم تشوفوني مجرد وسيلة. الحاجة زكية حاولت تتكلم. لكن لأول مرة قاطعتها. عمري كله وأنا أخدم، وأتحمل، وأسكت وبالنهاية حتى جسمي صار شيء تتقاسمونه بدون إذني. سكت البيت كله. حتى الحاجة زكية ما عرفت شترد. في الليل، جلست وحدي بالمطبخ. أفكر. إذا رفضت العملية يمكن الطفل يموت. وإذا وافقت كأني أسامح سيد على كل شيء. ظللت أفكر حتى الفجر. وبعدها اتخذت القرار. الصبح، دخلت غرفة شهد. كانت نايمة. جلست جنبها ولمست شعرها. فتحت عيونها ببطء. يمّه؟ قلت بهدوء راح أسوي العملية. جلست بسرعة. شنو؟! مو من أجل سيد. ونزلت دموعي أخيرًا. من أجل الطفل. شهد بدأت تبكي. أما أنا فمسحت دموعي وقلت بس بعد العملية ما راح أبقى بهذا البيت يوم واحد. يوم العملية كان بارد بشكل غريب. الممرات بيضاء. ريحة المعقم قوية. نور كانت جالسة بعيد وتبكي بصمت. أما سيد فكان واقف عاجز حتى يقترب مني. قبل ما يدخلوني لغرفة العمليات، قرب مني. قال بصوت مرتجف مريم مهما أگول ما راح يكفي. نظرت له طويلًا. ثم قلت فعلًا ما راح يكفي. ودخلت. لما صحيت بعد العملية، الألم كان يحرق جسمي. لكن أول شيء شفته شهد. كانت ماسكة إيدي وتبكي. الحمد لله يمّه. ابتسمت بتعب. ثم سألت الولد؟ دخل الدكتور بنفس اللحظة وقال العملية نجحت.
أغمضت عيني براحة. وبعد ساعات، دخل ياسين على كرسي متحرك. كان ضعيف جدًا. لكن مبتسم. وقف عند سريري وقال بخجل شكرًا خالتي. ما قدرت أتمالك نفسي. بكيت لأول مرة من قلبي. لأن الطفل ما كان يعرف إن خالته ضحت بشي أكبر من كلية. ضحت بعمر كامل. بعد أسبوعين، طلعت من المستشفى. ورجعت البيت للمرة الأخيرة. جمعت ملابسي. أوراقي. صورتي القديمة مع شهد. وتركت كل شيء ثاني. سيد وقف عند الباب وهو يشوفني. قال بصوت مكسور راح تتركينا فعلًا؟ نظرت له بهدوء. أنا تركت نفسي من سنين هسه فقط رجعت آخذها. الحاجة زكية حاولت تمنعني بعد كل اللي صار؟! ضحكت بتعب. بالضبط بعد كل اللي صار. شهد حملت حقيبتها ومشت جنبي. أما سيد فظل واقف وحده داخل البيت. لأول مرة فعلًا وحده. نزلت الدرج ببطء. كل درجة كنت أحسها تسحب من عمري سنة. مو لأن البيت غالٍ عليّ لكن لأنّي قضيت فيه نصف حياتي. هنا شهد خطت أول خطواتها. هنا بكيت أول مرة بصمت حتى لا تسمعني بنتي. هنا رجعت مئات الليالي وريحت الزيت بملابسي، وأنا أحاول أقنع نفسي إن التعب يومًا ما راح يجيب راحة. لكن بعض البيوت ما تكون بيت. تكون مجرد مكان يستهلك روحك ببطء. لما وصلنا الشارع، كان المغرب قريب. الجو مغبر شوي. والناس ماشية بشكل طبيعي جدًا. وهذا أكثر شيء كان يوجعني. إن العالم كله مكمل حياته عادي بينما حياتي كلها كانت تنتهي بهذي اللحظة. شهد ضغطت على إيدي وقالت يمّه إنتِ زعلانة؟ نظرت لها. ابتسمت رغم التعب. لا. سكتت شوي ثم قلت يمكن لأول مرة بحياتي مو زعلانة. ركبنا سيارة أجرة قديمة. والسائق ظل ينظر بالمراية علينا بين فترة وفترة. يمكن لأن وجوهنا كانت تحكي كل شيء. وصلنا للغرفة الصغيرة اللي استأجرتها قبل يومين بدون ما أحد يعرف. غرفة فوق سطح بيت قديم قريب من المدرسة. بابها أزرق باهت. وشباكها صغير. لكن أول ما دخلتها حسيت براحة غريبة. ما بيها صراخ. ولا خوف. ولا أحديراقبني وكأني مقصرة دائمًا. شهد مشت داخل الغرفة ببطء. حطت الحقيبة على الأرض. ثم التفتت إليّ وسألت راح نعيش هنا؟ قلت مؤقتًا. ابتسمت بخفة. حلوة. ضحكت. الغرفة فعلًا ما كانت حلوة. لكن شهد كانت تحاول تخفف عني. تلك الليلة، نمنا على فرشتين خفيفتين فوق الأرض. ورغم وجع العملية اللي ما زال يحرق جنبي نمت.
لأول مرة بدون خوف. بدون ما أسمع باب ينفتح آخر الليل. ولا رنة هاتف تخوفني. ولا خطوات حماتي وهي تتمشى بالصالة وتبحث عن أي غلطة حتى تعيرني بها. الصبح، صحيت على صوت أذان الفجر. بقيت أنظر للسقف طويلًا. ثم تذكرت كل شيء دفعة واحدة. العملية. الخيانة. ياسين. البيت. وسيد. الغريب إني ما بكيت. كأن الدموع خلصت. قمت بهدوء حتى لا أصحي شهد. وفتحت الشباك الصغير. هواء بغداد دخل باردًا قليلًا. وتحت، كان الخباز يفتح محله. وصوت أم تنادي ابنها للمدرسة. والحياة تمشي. دائمًا تمشي. حتى لو أنت واقف مكانك. بعد أسبوع تقريبًا، رجعت أوقف بعربتي. في البداية كان الوقوف صعب. جرح العملية يوجعني بسرعة. لكن ما كان عندي خيار. المصاريف ما تنتظر أحد. أول يوم رجعت فيه، الأطفال تجمعوا حولي بسرعة. واحد يريد فلافل زيادة. واحد يريد سندويش بالدين. واحدة صغيرة قالت خالتي مريم اشتقنالج. ابتسمت رغم كل شيء. يمكنلأن الأطفال الوحيدين اللي يحبونك بدون شروط. وقت الظهر، سمعت صوت سيارة توقف قريب. ما انتبهت بالبداية. لكن بعدها سمعت صوت مألوف مريم. التفت. سيد. كان واقف بعيد. أنحف بشكل واضح. وجهه متعب. حتى شعره صار فيه شيب أكثر. ظل واقف وكأنه مو عارف إذا يقترب أو لا. قلت ببرود خير؟ بلع ريقه. ممكن أحچي وياچ شوي؟ شهد كانت جالسة داخل الغرفة الصغيرة خلف العربة تدرس. نظرت له ثواني. ثم قلت احچي. اقترب خطوة. لكن مو كثير. كأنه يعرف إنه فقد حقه بالقرب مني. قال بصوت منخفض البيت فاضي بدونكم. ما جاوبته. كمل بسرعة شهد حتى ما ترد على اتصالاتي. قلت لأنها موجوعة. نزل رأسه. أدري. سكت شوي. ثم قال والله حاولت أصلح كل شيء. ضحكت بمرارة. بعض الأشياء ما تنصلح يا سيد. رفع عينه إليّ بسرعة. أعرف. وكان واضح فعلًا إنه يعرف. لأول مرة بحياتي أشوفه مكسور بهذا الشكل. مو تمثيل. مو محاولة استعطاف. انكسار حقيقي. لكنالغريب إني ما فرحت. ولا حتى انتقمت. كنت فقط متعبة. متعبة جدًا. قال بعد تردد ياسين يسأل عنچ كل يوم. هنا فقط اهتز شيء داخلي. سكت. ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا. مده نحوي. هاي أوراق البيت سجلته باسم شهد. نظرت للظرف بدون ما آخذه. ليش؟ ضحك بحزن. لأنّي طول عمري كنت أفكر متأخر. أخذت الظرف بهدوء. لكن ما شكرته. لأن بعض الحقوق ما تعود هدية لما تتأخر كثير. قبل ما يمشي، قال بصوت ضعيف سامحيني إذا تكدرين يوم. نظرت له طويلًا. ثم قلت يمكن أسامح لكن ما راح أنسى. هز رأسه وكأنه كان متوقع الجواب. ومشى. ببطء. كأن التعب صار أثقل من جسمه. مرت الأيام بعدها أهدأ. شهد رجعت تضحك شوي شوي. وصارت تساعدني بالعربة. وأحيانًا بالليل نجيب عشاء بسيط ونقعد فوق السطح نأكل ونحچي. مرة سألتني يمّه لو رجع الزمن، كنتِ تتبرعين؟ سكت طويلًا. ثم قلت إي. استغربت. حتى بعد كل اللي سواه؟ ابتسمت بتعب. لأن الإنسان لازميبقى إنسان حتى لو غيره ما كان يستحق. شهد ظلت ساكتة وهي تفكر بكلامي. ثم قربت مني وأسندت رأسها على كتفي. بعد أشهر، صار ياسين يزورني أحيانًا. كان يحب يقعد عند العربة ويساعدني يلف السندويشات بطريقة مضحكة. وكل مرة يغلط، يضحك. ضحكته كانت تشبه سيد كثير. وهذا الشي كان يوجعني ويحنّن قلبي بنفس الوقت. أما نور فكانت دائمًا تقف بعيد بخجل. واضح أنها لا تعرف كيف تتعامل معي. ولا أنا كنت أعرف. لكن بيننا شيء غريب شيء يشبه التعب المشترك. كلتانا دفعت ثمن رجل واحد. في ليلة شتوية باردة، رجعت للغرفة بعد يوم طويل. وكانت شهد نايمة. جلست وحدي قرب الشباك. أشرب شاي خفيف. وأتأمل بغداد. فجأة أدركت شيئًا. أنا ما خسرت نفسي يوم اكتشفت خيانة سيد. أنا كنت خاسرتها من زمان يوم قبلت أعيش بلا قيمة. ويوم اعتبرت الصبر فضيلة حتى لو كان يقتلني. ويوم صدقت إن المرأة لازم تتحمل كل شيء حتى تبقى زوجة محترمة. أغمضتعيني. ولأول مرة منذ سنين طويلة حسيت سلام. مو سعادة كاملة. ولا فرح. لكن سلام. السلام اللي يجي بعد ما تتوقف عن الركض وراء ناس ما شافوا قيمتك يومًا.

